×

حرية الصحافة : تراجع وانتهاكات

حرية الصحافة : تراجع وانتهاكات

Spread the love

تواجه حرية الصحافة على الصعيد العالمي تهديدات من السلطات السياسية التي يُفترَض أن تكون هي الجهة المعنية بصونها وضمانها. ففي نسخة 2024 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي  أعدّته  مراسلون بلا حدود، تراجَع المؤشر السياسي أكثر من أي من المؤشرات الخمسة التي تقوم عليها منهجية تقييم البلدان، حيث انخفض  7.6 نقاط.   تراجعت حرية الصحافة في 2024، وقد تستمر في التراجع بسبب الإجراءات الأخيرة في الولايات المتحدة. وحتى في الدول التي تتمتع بحرية صحافة نسبية، هناك تحديات. ورغم ذلك، يبقى المراقبون متفائلين بتحسن الوضع في المستقبل. تمت إعادة قضية حرية الصحافة إلى الواجهة بعد أن منع البيت الأبيض وكالة « أسوشييتد برس » من حضور المؤتمرات الصحفية للرئيس. ويأتي ذلك في سياق سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها  إدارة ترامب ضد الصحافة، مثل إلغاء وزارة الخارجية للاشتراكات الصحفية وتقليص دور وكالة   التي كانت تدعم الإعلام المستقل في الدول التي تفتقر إلى حرية الصحافة. ورغم تصاعد التوتر بين الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام، فإن القليل من الدول توفر بيئة آمنة ومستقلة للعمل الصحفي

سُلَّم الترتيب

منطقة المغرب العربي – الشرق الأوسط هي الأخطر في نسخة 2024 من التصنيف العالمي لحرية الصحافة، وتليها منطقة آسيا والمحيط الهادئ حيث تختنق الصحافة تحت وطأة الأنظمة الاستبدادية. أما في أفريقيا، فرغم أن حرية الصحافة توجد في وضع « خطير للغاية بأقل من 10% من دول هذه المنطقة، إلا أن الوضع « صعب » في نصف بلدانها تقريباً. وفي المقابل، لا يزال الوضع جيداً في مختلف بلدان أوروبا، وتحديداً دول الاتحاد الأوروبي، الذي شهد سنَّ أول تشريع يتعلق بحرية الإعلام. فبينما غادرت أيرلندا المراكز الثلاثة الأولى، ارتقت السويد على سُلَّم الترتيب لتصبح من بين ثلاثة الصدارة، في حين انضمت ألمانيا إل قائمة العشرة الأوائل في الترتيب. ومع ذلك، فإن حرية الصحافة تعاني الأمرين في ظل إدارة بعض الحكومات الأوروبية، كما هو الحال في كل من المجر ومالطا واليونان– ثلاثي المؤخرة في تصنيف بلدان الاتحاد الأوروبي. أما في شرق القارة، فإن ظروف ممارسة مهنة الصحافة آخذة في التدهور في خضم موجة مهولة من التضليل الإعلامي الذي تفشى في مختلف بلدان المنطقة على نطاق واسع، ناهيك عن الرقابة الشرسة المسلطة على رقاب الصحفيين ووسائل الإعلام، والتي عادة ما تكون على شكل اتهامات واهية بالإرهاب أو تقويض الأمن القومي، كما هو الحال في روسيا (المرتبة 162) وبيلاروسيا (المرتبة 167) وتركمانستان (المرتبة 175) وجورجيا (المرتبة 103، -26)، حيث يحاول الحزب الحاكم بكل الطرق التقرب من موسكو أكثر فأكثر. أما أوكرانيا، فقد ارتقت بما لا يقل عن 18 مرتبة لتصعد إلى المركز 61، مستفيدة من تحسن ترتيبها في المؤشرين السياسي والأمني، حيث كانت حصيلة الصحفيين القتلى أقل من العام الماضي. وفي منطقة الأمريكتين، تمثل استحالة تغطية القضايا المتعلقة بالجريمة المنظمة أو الفساد أو البيئة مشكلة رئيسية، حيث يثني الصحفيون أنفسهم عن الخوض في هذه المواضيع خوفاً من الانتقام، إذ تراجعت بشكل كبير نسبة البلدان التي تشهد وضعاً « جيداً إلى حد ما » (اللون الأصفر في الخريطة) من حوالي 36% في نسخة 2023 إلى 21% هذا العام. ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تراجعت عشرة مراكز بالتمام والكمال، وهي التي تُعد من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، بينما أصبح وضع حرية الصحافة « إشكالياً » في جميع بلدان أمريكا الجنوبية تقريباً، إذ يمكن تفسير هذا التدهور بعدم قدرة الحكومات على الحد من دوامة العنف ضد الصحفيين من جهة، ووصول بعض « الوحوش » السالبة لحرية الصحافة والمعادية للتعددية الإعلامية إلى سدة الحكم في مختلف أنحاء المنطقة، ومن بينهم خافيير ميلي في الأرجنتين، على سبيل المثال لا الحصر. هذا وقد شهدت المكسيك مقتل 37 صحفياً منذ عام 2019، لتظل في صدارة أخطر البلدان على سلامة الصحفيين في ترتيب البلدان التي تعيش حالة سلم. من جهتها، تأثرت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كثيراً بالعنف السياسي الذي شهدته مختلف بلدانها خلال الأحداث الانتخابية الكبرى في عام 2023، ليصبح أكثر من 8% من البلدان الأفريقية في المنطقة الحمراء على خريطة التصنيف العالمي، أي ضعف العدد المسجل في نسخة 2023. فبينما عاشت كل من نيجيريا وتوغو ومدغشقر سلسلة من حملات القمع ضد الصحفيين، أصبح تدهور الوضع الأمني عنوانَ المرحلة في العديد من دول الساحل – ولا سيما النيجر وبوركينا فاسو ومالي. وتضم قائمة أخطر عشر دول في العالم على ممارسي مهنة الصحافة كلاً من بورما (171) والصين (172) وكوريا الشمالية (177) وفيتنام (174) وأفغانستان (178)، وهي كلها بلدان تنتمي إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تحتل المركز الثاني على جدول ترتيب أصعب مناطق العالم بالنسبة لممارسة الصحافة. ولكن، على عكس العام الماضي، لا يوجد أي بلد من هذه المنطقة ضمن قائمة البلدان الـ15 الأوائل في التصنيف العالمي لحرية الصحافة. هذا ويُعتبر الوضع « خطيراً للغاية » في قُرابة نصف بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أصبحت الإمارات العربية المتحدة تاسع دول المنطقة في الجزء الأحمر من الخريطة، لتلحق بكل من اليمن والمملكة العربية السعودية وإيران وفلسطين والعراق والبحرين وسوريا ومصر. ففي ظل الاحتلال والقصف الإسرائيلي، تراجعت فلسطين إلى أسفل الترتيب بعدما أصبحت في صدارة البلدان الأكثر دموية بالنسبة للصحفيين، علماً أن قطر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تشهد وضعاً « صعباً » أو « خطيراً للغاية ». هذا ومن المتوقع أن تشهد جميع مناطق العالم ضغوطاً شديدة على الصحفيين في ظل مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي تلوح في الأفق.

 حرية الصحافة؟

 حرية الصحافة مفهوم معقد ومثير للجدل. تاريخياً، كانت تعني توفير صوت عام، وإتاحة الوصول إلى السلطة، وضمان تمكين الجمهور من المشاركة في اتخاذ القرارات ضمن الديمقراطيات. » ومن جهة أخرى، وصف الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام في القرن التاسع عشر الصحافة الحرة بأنها  » حماية ضد سوء الحكم »، مشيرًا إلى أن دور الصحافة هو محاسبة السلطة، سواء كانت حكومات أو كيانات خاصة، أمام الناس. تتطلع منظمات المجتمع المدني المعنية بالصحافة إلى ضمان حرية الصحافة بطرق محددة. على سبيل المثال، تؤكد منظمة مراسلون بلا حدود : أن حرية الصحافة تعني تمكين الصحفيين من اختيار وإنتاج ونشر الأخبار التي تخدم المصلحة العامة، بعيدًا عن أي تدخلات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ودون التعرض لتهديدات تهدد سلامتهم الجسدية والنفسية.  غينسبرغ، الرئيس التنفيذي للجنة  أن حرية الصحافة تعني الوصول إلى وسائل إعلام مستقلة ومتنوعة، مما يتيح للناس تغطية الأخبار بحرية في مجتمعاتهم وبلدانهم علاوة على ذلك، يجب أن تظل وسائل الإعلام المستقلة بعيدة عن التأثيرات الخارجية، مثل الضغوط الحكومية  لتوجيه الأخبار بشكل معين. وفي هذا السياق، تعني « التعددية » في الإعلام وجود مصادر متعددة وموثوقة يمكن للناس الاعتماد عليها للحصول على المعلومات

تراجع وانتهاكات

يُظهر مؤشر حرية الصحافة الذي تنشره منظمة  « مراسلون بلا حدود » الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون، بالإضافة إلى الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية التي يعملون ضمنها. في عام 2024، أظهرت النتائج تراجعًا في حرية الصحافة عالميًا مقارنة بعام 2023، حيث تم تصنيف ثماني دول فقط، معظمها في شمال أوروبا، على أنها تتمتع بحرية صحافة « جيدة ». ورغم تصدر الدول الاسكندنافية لهذا المجال، فهي أيضا ليست خالية من التحديات. وفي هذا السياق لا توجد دولة محصنة ضد الضغوط على الصحفيين، ويجب أن نبقى دائمًا يقظين.  التهديدات التي تواجه الصحفيين لا تقتصر على العنف الجسدي فقط. ففي النصف الأول من عام 2024، كانت 12% من الهجمات جسدية، بينما كانت ربعها بسبب الرقابة، وثلثها هجمات لفظية مثل التهديدات والترهيب. تزايدت الهجمات عبر الإنترنت، مثل حملات التشهير والتزييف، خاصة ضد الصحفيات، حيث يتعرضن لتهديدات بالكراهية تستهدفهن وأفراد عائلاتهن. وفي الولايات المتحدة، أظهرت البيانات أن عام 2024 شهد ثالث أكبر عدد من الهجمات على الصحافة منذ عام 2017، مما يعكس تصاعد التحديات التي تواجه الإعلام في مختلف أنحاء العالم

 أعلى عدد من وفيات 

الصحفيون في مناطق الصراع يواجهون خطرًا كبيرًا، حيث شهدت وفيات الصحفيين في عام 2024 زيادة ملحوظة، مع ارتفاع الأعداد بشكل مستمر منذ عام 2021، وفقًا لبيانات لجنة حماية الصحفيين. في العام الماضي، زادت عمليات القتل بنسبة 22% مقارنة بعام 2023، وكان ذلك بسبب الحرب في قطاع غزة وفي جنوب لبنان، حيث قُتل 85 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا في 2024. »  أن « الجيش الإسرائيلي كان مسؤولًا عن معظم هذه  الوفيات، وكان معظم القتلى من الفلسطينيين.  في مناطق الصراع، يُعتبر الصحفيون مدنيين ولا يجب أن يكونوا أهدافًا. من الضروري أن يدرك المتورطون في الصراع ذلك، وأن تتخذ الدول التي تدعم حرية الصحافة خطوات لمحاسبة الدول التي تفشل في حماية الصحفيين. » كما أظهرت البيانات زيادة في حالات سجن الصحفيين منذ عام 2000. ووجدت لجنة حماية الصحفيين أنه في بداية ديسمبر 2024 كان هناك 361 صحفيًا مسجونًا. أكثر من نصف هؤلاء الصحفيين موجودون في الصين  والأراضي الفلسطينية المحتلة وميانمار وبيلاروسيا وروسيا، ومعظمهم متهمون بانتهاك قوانين الدولة

رئيس الولايات المتحدة 

تدهورت حماية الصحفيين في العالم، وزادت التهديدات التي تجبرهم على ممارسة الرقابة الذاتية أو تجنب كتابة تقارير مهمة تخدم المجتمع. وقالت غينسبيرج: « الهجمات على الصحفيين وحملات التشهير ضدهم خلقت جوًا من الخوف، وأصبح عدد الصحفيين الذين يعملون بشكل مستقل أقل بكثير ». هذا الوضع يجعل من الصعب ملاحظة أي تحسن في حرية الصحافة. وبسبب التهديدات يلجأ الصحفيين إلى بعض المواضيع أو ممارسة الرقابة الذاتية  وتم رصد مثل هذه التأثيرات مؤخرًا في الولايات المتحدة، حيث يشتهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدائه المستمر لوسائل الإعلام التقليدية. فقد وصف الصحافة سابقًا بأنها « عدو الشعب »، وفي تجمع انتخابي عام 2024، أشار إلى الصحفيين وقال إنه « لن يمانع كثيرًا » إذا اضطُر قاتل محتمل إلى إطلاق النار عليهم للوصول إليه، بعد أن نجا من محاولتي اغتيال سابقتين. علاوة على ذلك، اتخذ الرئيس الأمريكي إجراءات قانونية ضد صحفيين ووسائل إعلام، حيث رفع دعاوى ضد عدة شركات إعلامية. وفي هذا السياق، أشارت غينسبيرغ إلى أن هذه الإجراءات، إلى جانب منع وكالة أسوشيتد برس من استخدام اسم « خليج المكسيك » بسبب رفضها تسميته « خليج أمريكا »، جعلت وكالات الأنباء تتجنب تغطية بعض المواضيع خوفًا من العقاب

ماذا يمكن فعله؟

إن الأنظمة الاستبدادية تقمع الصحافة الحرة لتقييد تدفق المعلومات. وأن « حرية المعلومات، التي تشمل حرية الصحافة، هي أساس حرّياتنا وحرّيات الجميع ». ومن أجل حماية حرية الصحافة، قد نحتاج إلى ضمانات قانونية وتنظيمية. على سبيل المثال، قدم الاتحاد الأوروبي قانون حرية الإعلام الأوروبي كخطوة لحماية حقوق الإعلام. إن هذا القانون هو « أساس جيد »لحماية حقوق الصحفيين، ولكنها حذرت من أنه يجب تنفيذه من قبل الدول الأعضاء، بما في ذلك تلك التي تواجه مشاكل في حرية الصحافة.  « قانون لا يمكن أن يغطي كل شيء أو جميع القضايا التي يواجهها الصحفيون. يجب أن يكون هناك تنفيذ جيد على أرض الواقع، ويجب أن تكون هناك مؤسسات قوية ».  أن التنظيم الذاتي، حيث يلتزم الصحفيون والشركات الإعلامية بالمبادئ الصحفية المتفق عليها والسلوكيات الأخلاقية، يمكن أن يساعد أيضًا في استعادة الثقة في هذه المؤسسة. فالجمهور الذي يرى قيمة في وجود إعلام مستقل وحُر يمكن أن يضيف طبقة من الحماية لأولئك العاملين في الميدان ». ولا توجد حرية بدون بعض الشروط، سواء كانت نظرية أو فلسفية أو تاريخية . من المهم أن تلتزم الصحافة ببعض المعايير لكي تكون فعّالة ولها معنى حقيقي. ولهذا السبب يتحدث الصحفيون عن الأخلاقيات والمدونات الأخلاقية والالتزام بالمعايير، لأنها تمنحهم الفرصة ليتم تقييمهم بشكل عادل ومتساوٍ

Laisser un commentaire

francais - anglais ..